وعد {٥} | الوطن اليوم

وعد {٥}

أيمن موسى

بنظرة خجولة وهى تشيح ببصرها بعيدًا عن عينيه تتوجه وعد نحو النافذة وبصوت خفيض لا يكاد يغادر حنجرتها قالت متسائلة في همس هل أنت… .
بخجل إقتطعت وعد عبارتها وقد أدركت أن سؤالها سيبدو كفضول يفضح ما تحاول إخفاؤه .
أدرك يوسف بفطنته ومن سياق السؤال أنها كادت تسأله إن كان مرتبطًا أم لا .
تجاوز كلاهما هذه العبارة وقد أدرك كل منهما أن هناك شئ ما قد نما بداخله وأن كل منهما لم يعد كما كان قبل هذا اللقاء القدري .
كان الأطباء قد رتبوا لكل شئ يخص العملية الدقيقة والتي تقرر إجراؤها لوعد من عينات للدماء وتوافق للأنسجة وما يتبع ذلك من قياس للضغط والتحاليل الطبية وإنتظام لضربات القلب وما شابه ذلك خاصة بالعمليات الكبرى .
كما أخبروا والدة وعد بما يجري وبكل شئ والتى بدورها أخبرت زوجها بكل التفاصيل .
كان والد وعد يود النزول قبل إنتهاء المؤتمر وذلك لخوفه وقلقه الشديد على وحيدته لولا أن زوجته طمأنته أن الأمور بخير وتسير دون أي تعقيدات أو مخاوف وأن وجوده لن يضيف شيئًا فهى متواجدة بجانبها كما طمأنته أن الأطباء والمستشفى على مستوى عالي من الكفاءة ولا يوجد ما يستدعي قطع المؤتمر أو تأخير العملية مما إضطره بالنهاية الموافقة على إجراء الجراحة بغيابه على أن يحضر فور إنتهاء المؤتمر .
وقعت الأم على جميع الأوراق الخاصة بإجراءات الجراحة .
قام الأطباء بعمل فحوصات شاملة ليوسف وقد أتت النتائج على أكمل وجه وكانت كلها تشير إلى تطابق الأنسجة وتوافقها بطريقة مثالية لتعطي مؤشرات طيبة على نجاح هذه الجراحة الخطيرة والتي يتوقف عليها حياة شخصين كلاهما بمقتبل العمر وعلى أعتاب الحياة .
تم تحديد موعد إجراء العملية باليوم التالى لإجراء الفحوصات .
طلب الأطباء من وعد عدم تناول أى مأكولات صباح يوم العملية معللين ذلك بحاجتهم لعينة دم وهى صائمة وذلك لأنهم لم يخبروها بتلك الجراحة الهامة والخطيرة حتى لا تصاب بالتوتر أو يعتريها الخوف والهلع وحتى يستقر نبض قلبها وضغطها ويظلوا بمعدلهم الطبيعي .
صباح اليوم التالي وبالوقت المحدد وبحضور الطبيب والطاقم المعاون له تم تخدير
وعد لتدخل بصحبة يوسف إلى غرفة العمليات بنفس التوقيت لإستئصال إحدى كلى يوسف لزراعتها بجسد وعد .
ما أن تناول يوسف جرعة التخدير حتى أغمض عينيه لتترائى له الكثير من الصور وليرى حياته أمامه كشريط سينمائي مشوه .
ها هو يرى والده ووالدته وأمل وصديقه آسر .
تتابعت حياته أمام عينيه فلاش باك منذ طفولته حتى شبابه ودراسته وأحلامه الصغيرة وأماله العريضة .
أمنيته أن يتحول وطنه لمكان آمن للجميع تتساوى فيه الحقوق والواجبات فيأخذ كل إنسان حقه بالحياة بقدر جهده وإخلاصه بلا واسطة أو رشى ودون نقصان .
تذكر فتاة أحلامه والتي وما أن جاءت على خياله لم تكن سوى وعد برقتها وبراءتها وإبتسامتها العذبة وعينيها الساحرتين .
مرت الدقائق ثقيلة قبل أن يحل الظلام ليعم المكان زاحفًا إلى عقله ورأسه .
كان أخر ما رآه يوسف قبل ان يغيب عن الوعى ويفقد الإحساس بكل شئ من حوله بسبب المخدر هو وجه وعد الطفولي كم كانت رائعة وجميلة برقتها ووجهها الحالم ليبتسم إبتسامتة الأخيرة وقد أدرك الأن بل وتيقن أنه يحبها ولا حياة له بدونها .
نعم هذه هى الحقيقة وإن حاول وجاهد للهروب منها لقد أسرت مشاعره واحتلت قلبه منذ رآها لأول مرة بالقطار .
بحركة لا إرادية وبلا وعي منه وربما من تأثير المخدر مد يده نحو يدها ليتلقط أناملها بأنامله ويحتضنها ليشعر بالأمان الذي إفتقده منذ أدرك حقيقة ما يحدث بالحياة .
لم يعد يرى أو يذكر أي شيئ على الإطلاق فقد عم الظلام داخل رأسه وأنطفأت كل المصابيح دفعة واحدة وشعر بروحه تطفو فوق جسده لتتوجه نحو وعد وكأنها ترافقها حتى تطمئن عليها .
لا يدري كم مر من وقت قبل أن يستيقظ ويفيق على أصوات الأطباء وهم يهنئون الأم بنجاح العملية وأنها من أنجح العمليات التى قاموا بها على الإطلاق وأن وعد بخير كذلك يوسف بخير وكلاهما يحتاج لفترة نقاهة ومتابعة حتى يتعافيا .
الأم بإبتسامة تحمل كل الحب والود وهى تتوجه بحديثها
ليوسف وقد إنتبهت لعودته إلى وعيه لتقول بحب لا أدري كيف أشكرك يا بني فانت أنقذت حياتى وحياة إبنتى ولا أجد من الكلمات ما يعبر عن شكري وامتناني .
إستطردت تقول وهى تجاهد لكبح جماح دموعها أنت بالنسبة لنا لست إنسان عادى بل ملاك أرسله الله لنا من السماء وبالوقت المناسب .
إستطردت قائلة كم يتوق زوجى للقاءك وشكرك على ما فعلته من أجلنا من معروف لن ننساه ما حيينا ولا يمكننا مهما فعلنا مجازاتك عنه أبدًا .
أردفت قائلة هل تتذكر يا يوسف عندما رأيتك لأول مرة مع إبنتي وعد ؟
أتذكر يومها أنني سألتك إن كنا إلتقينا من قبل ؟
إستطردت تقول دون توقف شعرت حينها وكأنني رأيتك من قبل وإن كنت لا أدري متى أو كيف .
حرك يوسف رأسه مؤمنًا على كلامها وهو يومئ لها دون حديث .
تأملته بود وهى تقول بحماس لقد تذكرت الأن أين رأيتك .
يوسف وهو يتابع حديثها بعينيه وكأنه يحثها على الكلام بعد أن تمكن منه الفضول .
إستطردت قائلة وهى تبتسم ربما ما ستسمعه وسأقوله يعد ضربًا من الخيال ولكنني لا أجد له أي تفسير أخر .
تنهدت بعمق قبل أن تلتفت نحوه مباشرة وهى تقول لقد جمعني بك حلمًا جميلًا أو ربما كانت رؤية.
يوسف وقد تملك منه الذهول وبصوت خفيض أكملي ..
والدة وعد بإبتسامة رقيقة ليس الأن يا يوسف دعنا نطمئن أولًا عليك وعلى وعد وأعدك أنك ستعرف تفاصيل هذه الرؤية قريبًا جدًا إن شاء الله وبالوقت المناسب .
يوسف محاولًا الرد بصعوبة وجهد كبير ولكنه لم ينجح ليبتسم إبتسامة باهتة أغمض بعدها عينيه واستسلم للنوم .
بعد مرور عدة أيام من إجراء العملية عاد والد وعد ومن المطار توجه مباشرة الى المستشفى متعجلًا الوصول بأقصى سرعة للإطمئنان على زوجتة وإبنته وقد تملكت منه اللهفة واستحوذ عليه القلق خوفًا عليهم .
مباشرة ذهب الى غرفة وعد بعد السؤال بالإستقبال .
بدموعه الحارة وقبلاته المتتابعة أغرق وجنتيها ووجهها النحيل والشاحب وهو يتأملها بحنو وحب وإشتياق بلا حدود .
بصعوبة تناولت يده لتقبلها من ثم تحتضنها وهى تقول بصوت واهي افتقدت وجودك كثيرًا . نظرت إليه بحب وهى تقول كم إشتقت اليك يا أبي إشتقت وكفى .
مر وقت طويل من التأمل والصمت لم يقطعهما سوى صوت والدتها وكأنها تعلن عن وجودها
الفضل يعود لذلك الشاب الشهم والذي لولاه ما كانت هذه العملية قد تمت بنجاح .
رد والدها بحب كم أشتاق حقًا لرؤيته وشكره على صنيعه الراقي وعطاؤه الذي بلا حدود أردف يقول ليطلب ما يريد ومهما طلب فلا أستطيع مكافأته أو رد جميله والذي سيظل دين بعنقي مدى الحياة .
ردت والدتها هو يستحق كل خير فعلًا ومهما فعلنا فلن نفيه حقه مدت يدها لتتناول يد زوجها وهى تسحبه للخارج قائلة وها انت قد إطمئنيت على وعد فهيا بنا لنطمئن على يوسف ولنشكره سويًا أردفت تقول إنه بالغرفة التالية ووضعه مستقر وسيتعافى قريبًا بإذن الله .
ذهب الإثنان سويًا حيث غرفة يوسف من ثم طرقا الباب برفق عدة مرات ولا مجيب وبعد عدة محاولات دفعا الباب ودخلا مباشرة ظنًا منهم أنه ربما يكون غير قادر على الرد أو حتى نائمًا .
ولكن وعلى غير المتوقع لم يكن يوسف متواجدًا بغرفته .
للوهلة الأولى ظنوا أنه ربما يكون قد تم إصطحابه ليقوم بعمل أشعات أو تحاليل للإطمئنان على الجرح بعد العملية .
وعندما طال إنتظارهم بغرفة يوسف دون أن يعود تم إستدعاء الممرضات والأطباء لسؤالهم والذين أصابتهم الدهشة لعدم وجوده ونفوا إجراء أي تحاليل أو أشعة لهذا اليوم وأنه ما زال حاليًا بفترة نقاهة تحتاج لأسبوعين على الأقل كما أكد الطبيب المسئول عن العملية عدم سماحه ليوسف بالمغادرة لخطورة ذلك على صحته بالوقت الراهن .
والد وعد وهو ينظر لزوجته بتساؤل وحيرة ترى أين ذهب ؟ ولماذا يرحل بهذه الطريقة !؟
الطبيب بغضب وكيف يغامر بالخروج وهو بهذه الحالة الحرجة ؟!
إستطرد الطبيب قائلًا بحدة هناك خطورة جمه على حياته ما كان يجب عليه أن يغادر هكذا ويجب أن يعود بأسرع وقت ليكمل فترة النقاهة ويظل تحت الملاحظة وتناول الأدوية التي ستساعد على إلتئام الجرح دون أن يتعرض للتلوث .
والد وعد علينا أن نتحرك بسرعة وفي أكثر من إتجاه ولنبدأ الأن فهل لديكم أية معلومات عنه أو من يكون أو عنوانه ؟
أردف قائلًا بتساؤل ربما بطاقته الشخصية أو أي بيانات قد تساعدنا على إيجاده والعثور عليه .
الأم أنا وحسب ما أخبرتني به وعد فكل ما أعلمه عنه هو إسمه فقط وهو يوسف .
الطبيب بالعادة وكإجراء متبع قبل إجراء العمليات الكبري نأخذ بيانات المريض والمتبرع وأقرب الأقارب تحسبًا لوقوع أى مكروه لا قدر الله .
قال ذلك وهو يتوجه مباشرة إلى إستعلامات المستشفى لإحضار أي بيانات قد تساعدهم بالتعرف عليه والوصول إليه .
بهذه الأثناء كان يوسف قد حسم أمره مسبقًا وقد إتخذ قراره وقرر المغادرة قبل حضور والد وعد فهو لم ولن يكون ذلك الشخص الذي يبيع جزء من جسده وهو أمانة الخالق التي إستودعها إياه ليحفظها ويصونها حتى يلقى الله .
كما أنه يدرك بقرارة نفسه أنه لم يضحى بهذا الجزء من جسده مقابل المال مهما بلغ ولكن ضحى به فقط ليرى من يحب بخير .
لهذا كان قرار يوسف الأول والأخير بل والأوحد هو الرحيل وإستكمال ما جاء من أجله . بإعياء شديد إستقل تاكسيًا من ثم طلب منه إيصاله إلى أحد الفنادق وهو نفس عنوان الفندق الذي أعطاه له سمير الرحال ليلتقيا به حال نزوله للقاهرة لإستكمال الترتيبات لإيصاله خارج الحدود .
بجسد متعب وفكر منهك غاب يوسف بخياله وطيف وعد يرافقه أينما ذهب فلا يفارقه أبدًا .
تسائل بينه وبين نفسه ترى لماذا التقيت بك الأن ؟ لماذا أصبحت أشعر وكأنني مقدم على الإنتحار بعد أن إلتقينا ؟
لماذا أصبحت أشعر بالخوف الأن أكثر من ذي قبل وقد كنت مستعدًا قبل ذلك للمخاطرة والموت في سبيل تحقيق الهدف الذي أسعى إليه .
ظهورك بحياتي بهذا التوقيت يؤجج الصراع بنفسي ويمزقني من الداخل ولكن ماذا أفعل وأنا لا أملك من زمام أمري أي شئ ولا مفر من إكمال هذا الطريق حتى نهايته الأن لا يمكنني الرجوع بالزمن أو العودة للخلف .
بهذه الأثناء توقف التاكسي أمام أحد الفنادق العادية بوسط البلد وربما كان هذا مقصودًا من قبل سمير الرحال حتى يغيب ويتوه بالزحام عن أعين رجال الأمن فمثله هدف دائم تتم ملاحقته من قبل الأمن وللهروب منهم يغير مكانه كل يومين أو ثلاثة وبكل مرة ينتحل شخصية غير شخصيته الحقيقية .
نزل يوسف بصعوبة وهو يجاهد من الإرهاق والألم حتى وصل إلى ردهة الفندق وهناك سأل عن سمير بإسمه المستعار والذي أخبره به من قبل .
ما أن تم إبلاغ سمير بحضوره حتى طلب منه الصعود إلى غرفته على وجه السرعة
تحامل يوسف على نفسه حتى وصل إلى غرفة سمير وما أن دخل حتى إرتمى على أول كرسي أمامه وهو يلهث ويتصبب عرقًا .
سمير مرحبًا به ها قد أتيت يا بطل فهل ما زلت مصرًا على الهجرة ومغادرة مصر رغم كراهيتك لي وهجومك على ما أفعله ؟
يوسف نعم أنا مصمم على الهجرة والأن أصبحت مصراً ومصمماً أكثر من ذي قبل ولن أتراجع عن هذا القرار ولا تعيد الماضي يا سمير ولنتحدث بالمستقبل .
ورجائي منك أن يكون هذا الأمر بأقصى سرعة .
سمير وهو ينظر نحوه بشماتة كنت أظن أنك أخر من يفعل ذلك وأنني أخر شخص قد تلجأ إليه
ولكن لا تقلق ستسافر فقط دعني أذكرك ان هذه هجرة غير قانونية بدون أي أوراق ويجب ترتيب الأمر من حيث إختيار المكان المناسب بعيدًا عن الأمن وخفر السواحل .
يوسف إفعل ما تراه مناسبًا ولكن بأسرع ما يمكن .
سمير وهو يطالعه في خبث هل تعلم أنت محظوظ حقًا فهناك زورق سيغادر فجر اليوم وأستطيع أن أضعك فيه إن أردت وسيكون برفقتك مجموعات من السودان وتشاد وإريتريا وبعض العرب من ليبيا وسوريا وستتوجهون جميعًا بجنح الظلام الى السواحل الليبية ومن هناك مباشرة الى السواحل الإيطالية ومنها إلى جميع دول الإتحاد الأوربي .
يوسف محاولًا النهوض بصعوبة وهو يقول بألم حسنًا ولكنني أشعر ببعض التعب سأذهب الأن لأرتاح قليلاً .
ما أن أكمل عبارته حتى شعر بالدوار يعتريه والأرض تميد به ترنح قليلًا قبل أن يقع أرضًا وهو يصرخ من شدة الوجع والألم .

شارك الخبر من فضلك
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

عن مختار ابوالخير

شاهد أيضاً

قصر عابدين يستقبل أطفال المناطق الحدودية

قصر عابدين يستقبل أطفال المناطق الحدودية

قصر عابدين يستقبل أطفال المناطق الحدودية

أو هذا الذي كتبته كان عليّ حقا – بقلم لاله فوز

أو هذا الذي كتبته كان عليّ حقا كتبت – لاله فوز  كلما تسولت بعض الحروف …

وزيرة التعاون الدولي تبحث مع سفير الاتحاد الأوروبي الجديد مجالات التعاون المستقبلية

كتب مختار أبوالخير التقت الدكتورة رانيا المشاط، وزيرة التعاون الدولي، السيد كريستيان برجر، سفير الاتحاد …

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: